لبنان .. لا نمو، والحلول ترقيعية!!

الجمعة ٢٣ نيسان ٢٠٢١ –

أحمد نصّار –

قل ما نشاهد أزمة اقتصادية تعصف ببلد ما على كافة المستويات كالتي يعيشها لبنان الذي يواجه أزمة مالية ، نقدية ،مصرفية ، سياسية .حتى ان أشهر الازمات كالأزمة اليونانية عام 2010 أو الأميركية عام 1929لم تكن شاملة كالتي نعيشها اليوم بل كانت مالية فقط (دين عام و تخلف عن سداد الديون في اليونان ، وإنهيار أسعارالبورصة و إفتقار الشركات للتمويل في الولايات المتحدة الأميركية).
فإذا أردنا توصيف واقع الإقتصاد اللبناني بشكل عام نستطيع الحديث عن الموازنة أولا الذي يتكون 65% من إيراداتها رواتبا لموظفي القطاع العام و الباقي يخصص لخدمة الدين العام . أما النفقات الإستثمارية فهي صفر بحسب الموازنة الأخيرة و هذا ما لا يدل على تقشف بل على إفلاس.
من جهة أخرى تطبع الدولة في الفترة الأخيرة فارق العجز في الموازنة لتلبية خدمة الدين العام و رواتب الموظفين حوالي 1500 مليار ليرة شهريا من دون تغطية إحتياط العملات الصعبة.
أما على الصعيد النقدي فلم نر من مصرف لبنان ما يعيد ثقة المواطنين – التي هي عواميد الأساس في أي إقتصاد بالعالم – بالقطاع المصرفي.مثل قرار رقم 151 الذي يتيح للمودعين إجراء عمليات السحب من المصارف من أرصدة الدولار على سعر 3900 للدولار الواحد.أو كالقرار الذي دعا الى تخفيض الفوائد على الودائع الى 6 % او 8% بعد أن كانت أقلها 12% . فالمصرف نفذ سياسة تقييدية على مدى 28 عام حيث كان الإقتصاد اللبناني يمللك وفرة في رأس المال خاصة في القطاع المصرفي في حين أن هذه السياسة النقدية هي إحدى وسائل تحفيز الإدخار و إعادة الثقة بالإقتصاد. أما اليوم ،حين فقدت الثقة (تقدر الأموال المحفوظة بالمنازل ب 5 مليار $) و أصبحت القطاعات الخاصة و العامة تفتقر لسيولة العملات الصعبة تخفض الفوائد ! فما نتوقع من سعر صرف الدولار؟
على الصعيد المصرفي: كنا نعتقد أن معدل الملاءة لدى المصارف هو مطابق للمواصفات الدولية(يجب أن يكون 8%) و كنا نتغنى بذلك ، في حين أن المصارف كانت تعتاش بشكل أساسي من فوائد الدين العام الذي هو بغالبيته دين داخلي.
أما على صعيد الهدر و الفساد ،حدث و لا حرج ، فبحسب الدكتور علي النمر في تصريح له في 15 تشرين الثاني 2019 أن التهرب الضريبي يبلغ 4 مليار دولار$. غير أن الجمعيات و المجالس كصندوق المهجرين ، مصلحة السكك الحديدية و إدارة البريد و النقل تكلف الدولة حوالي 2000مليار ليرة سنويا . أيضا هناك 150 مليون دولار سنويا كبدل إيجار لأبنية تشغلها الوزارات و الإدارات و الجامعات و تعود معظمها لنافذين سياسيين في حين أن كلفة إيجار 3 سنوات فقط يكفي لتشييد مباني تفي بالغرض علما أن الدولة تملك نحو 225 عقار في بيروت .
و بالنسبة للكهرباء فإن العجز المتراكم فيها يبلغ 36 مليار $ و لو حلت المشكلة في أوساط التسعينات لوفرنا على المواطنين حوالي 17 مليار$ . و ذلك من دون إحتساب الأرباح في تخفيض كلفة الإنتاج التي تتسببها حل المشكلة.
أما استعادة الأملاك البحرية و البرية تقدر بحوالي 65 مليار $.
رغم تلك الوقائع و الأرقام الا أن بعض التيارات و الإتجاهات السياسية التي كانت في قلب الحكومات اللبنانية بين عامي 2000 و 2009 تتهرب من تحملها مسؤولية ما وصلنا إليه اليوم في قول أن لبنان حقق معدلات نمو اقتصادي كبيرة في هذه الفترة .
و هذا صحيح، حيث وصل النمو الإقتصادي الى 5,4 % بين عامي 2000 و 2004 و الى 9,1% بين عامي 2005 و 2007
لكن هذا لا يكفي ،فبحسب أمارتيا سن (حائز على جائزة نوبل في الإقتصاد)،أن المهم ليس ما يملكه الإنسان بل ما يكونه على مستوى التعليم و الصحة و الرفاه و الرعاية..
فالنمو ليس مهما بحد ذاته و لا هو نهاية المطاف ، المهم هو أثره على مستوى الحياة و على الحرية التي نتمتع بها. وهذا ما إفتقدناه في لبنان حيث إنحصرت عائدات النمو بطبقة ال 1% و لم تنعكس على البنى التحتية و على رفاه المواطن اللبناني و على المجتمع اللبناني بشكل عام بل على عكس ذلك .
فبحسب المفكر آرثر لويس أن المجتمعات إما تقليدية و هي المجتمعات الزراعية الذي تكون أبرز سماتها الفائض في العمالة ما يعني الإنخفاض في الإنتاجية ،و إما مجتمعات حديثة قائمة على الصناعة و الخدمات و إستقطاب العمالة من القطاع الأولي أي الإتجاه في إرتفاع الإنتاجية. لكن لبنان اليوم لا نستطيع تصنيفه بمجتمع كفاف (زراعي) لتهميش القطاع الزراعي و غياب دعم الدولة و إتجاه الكثير من أصحاب الأراضي إلى خيارات أخرى غير الزراعة كالمضاربة و الإستثمار في العقارات، كما لا يمكننا تصنيفه بالمجتمع الرأسمالي الحديث لأنه مجتمع لا يملك المواصفات التي تتيح له أن يكون حديثا أهمها تهميش الصناعة، غياب دعم الدولة للقطاع الصناعي ، فرض الرسوم العالية على وسائل الإنتاج وفتح باب الإستيراد أمام السلع الأجنبية المنافسة. بل إننا نملك فائضا على مستوى التوظيف في القطاع العام حيث إنخفاض الإنتاجية في اللا انتاج .
أخيرا ، فإن المجتمع اللبناني قد فقد الكثير من سماته الثقافية و الاقتصادية و كان ذلك مترافقا مع التأزمات السياسية بكافة مراحلها. و لم يتقدم لنا كمواطنين أي من الحلول الجذرية بل الحلول الترقيعية كالبطاقة التمويلية المطروحة التي لا نعرف مصدر تمويلها إذا بات المصرف عاجزا عن الدعم .
فهل يريد اللبنانيين دولة ترقيع؟ دولة البطاقات التمويلية و الحصص الغذائية ؟ دولة المحسوبية و المحصصات الطائفية ؟ أم دولة رجال الدولة التي تشبه بالحد الأدنى أي نموذج من نماذج التنمية الإقتصادية ؟
إن كل ما ذكرناه من توصيف ، وأي من الحلول التي يمكن أن تطرح هو حبر على ورق في ظل وجود حاكم يستنفع الفوضى ،لا يمنح القرار السياسي لأي إصلاح جذري. لذلك ، إنه لا بد لنا من تصديق قضايانا و شعائرنا ،لكنه لا بد لنا من تصديق حدسنا الأول عند غرف الإقتراع.

الجمعة ٢٣ نيسان ٢٠٢١ – أحمد نصّار – قل ما نشاهد أزمة اقتصادية تعصف ببلد ما على كافة المستويات كالتي يعيشها لبنان الذي يواجه أزمة مالية ، نقدية ،مصرفية ، سياسية .حتى ان أشهر الازمات كالأزمة اليونانية عام 2010 أو الأميركية عام 1929لم تكن شاملة كالتي نعيشها اليوم بل كانت مالية فقط (دين عام و…

Leave a Reply

Your email address will not be published.